نول المتوسط _ جدلية الرمل والأطلس في ذاكرة الجمال الليبي و المغربي 

نول المتوسط _ جدلية الرمل والأطلس في ذاكرة الجمال الليبي و المغربي 

  • الإثنين 01 يونيو 2026
  • 12:06 PM

الملتقى / حسن طفيلي

لنسافر سوية إلى رحلة سوسيولوجية ، مليئة بالأنثروبولوجيا و التاريخ و نذهب ​الى الضفة الجنوبية للبحر الأبيض المتوسط،حيث تكتب الجغرافيا تضاريسها بالصخور والرمال و تنسجها بخيوط من حضارة. 

حين نقف على شرفة التاريخ لنتأمل الفضاء الممتد من جبال الأطلس الشاهقة في المغرب إلى جبال أكاكوس الساحرة في ليبيا، نرى  رقعة جغرافية من شمال إفريقيا و نقرأ ملحمة بصرية وفكرية صاغتها ثنائية فريدة (الانتماء الأمازيغي العميق ، والامتداد العربي الأصيل)
​هذا الامتداد يتعدى الجوار الجغرافي ، إلى  (حبكة) كونية تشابكت فيها حركة الموج المتوسطي مع صمت الصحراء الكبرى ، لتنتج إنساناً يقف بصلابة أمام تحولات الزمن.

في هذا المشهد البانورامي، تتجلى هذه الثنائية الفكرية لشمال إفريقيا كرقصة متناغمة بين حرف (التيفيناغ) المحفور على صخور الصحراء، وبين الخط (المغربي-الأندلسي) المنقوش على جدران القرويين في فاس ومساجد طرابلس القديمة. لقد شكل هذا التمازج العربي-الأمازيغي عقلاً جمعياً لا يعرف الانغلاق ، عقلٌ ورث عن البحر مرونته في استقبال الآخر ، وعن الصحراء صلابتها في حفظ الهوية ، هنا لم يمحُ الوافدُ الأصيلَ  بل عانقه في كيمياء ثقافية جعلت من التنوع قوة دافعة للتفكير الفلسفي والصوفي على حد سواء.

التفتوا معي إلى فكرة ​النول الواحد  وخيوط تتشابه في ليبيا و المغرب فإذا هبطنا من سماء الفكر إلى أرض المادة ، نجد أن اليد التي تغزل الصوف في طرابلس والجبل الأخضر ، هي ذاتها التي تحوكه في مراكش وشفشاون حيث يتجسد هذا التشابه المذهل في رداء الرجل  و يعانق الجرد الليبي الأبيض  بلفته الرومانية-العربية المهيبة ، نظيره السلهام (أو الجلابة) المغربي ،  كلاهما ليسا مجرد قماش يقي من برد الشتاء أو لفح الصحراء بل هما خيمة متنقلة ، ورمز للوقار والستر الذي يميز إنسان هذه الأرض.

​أما على مائدة الطعام  فتتجلى فلسفة (الاجتماع البشري) حبة القمح التي تطحنها الرحى الحجرية في القرى الأمازيغية ، تتحول إلى (الكسكس) الذي يتربع على موائد البلدين كطقس من طقوس الكرم والالتفاف العائلي ، ورغم اختلاف النكهات والتوابل، تظل القصعة (الوعاء الفخاري أو الخشبي الكبير) هي الدائرة التي تذوب فيها الفوارق ، وتتوحد حولها الأيادي لتؤكد أن ما يجمع هذه الشعوب هو خبز الأرض وملح التاريخ.

​هذا الفضاء الخصب لم ينجب إلا فكراً عابراً للحدود  فإذا التفتنا إلى المغرب يطالعنا صوت العقل ممثلاً في الفيلسوف محمد عابد الجابري ، الذي شرّح العقل العربي ونقده من أجل نهضته ، والرحالة الكوني ابن بطوطة الذي جعل من طنجة نقطة انطلاق لقراءة العالم ، ​وفي المقابل تنبثق من رمال ليبيا أصوات لا تقل عمقاً تقف في طليعتها عبقرية الروائي والمفكر إبراهيم الكوني ، الذي حوّل الصحراء والطوارق من جغرافيا صامتة إلى أسطورة فلسفية تُقرأ بكل لغات الأرض ، ولا يمكن في هذا المقام إغفال الجسر الروحي والفكري الذي ربط البلدين ، ممثلاً في العالم الصوفي والفقيه أحمد زروق (المتوفى في مصراتة الليبية) ، الذي انطلق من المغرب ليصبح قطباً روحياً وعلمياً في ليبيا ، مجسداً بمسيرته وحدة الفكر والوجدان في هذا الفضاء المغاربي

إن ليبيا و المغرب  على خريطة المتوسط  ضفتان لنهر واحد من التراث و التحولات العاصفة التي مر بها حوض البحر الأبيض المتوسط عبر آلاف السنين لم تستطع أن تفكك هذه الجديلة بين جبال الأطلس ورمال أكاكوس ، لا يزال الإنسان الشمال إفريقي يرتدي صوفه ، ويأكل من قمح أرضه ويتحدث بلغتين هما في جوهرهما نبض لقلب واحد ، قلب ينبض بعروبة الانتماء وأمازيغية الجذور .

 

اشترك الآن في النشرة الإخبارية

نشرة اخبارية ترسل مباشرة لبريدك الإلكتروني يومياً

العوده للأعلي