الملتقى / حسن طفيلي
لنسافر سوية إلى رحلة سوسيولوجية ، مليئة بالأنثروبولوجيا و التاريخ و نذهب الى الضفة الجنوبية للبحر الأبيض المتوسط،حيث تكتب الجغرافيا تضاريسها بالصخور والرمال و تنسجها بخيوط من حضارة.
حين نقف على شرفة التاريخ لنتأمل الفضاء الممتد من جبال الأطلس الشاهقة في المغرب إلى جبال أكاكوس الساحرة في ليبيا، نرى رقعة جغرافية من شمال إفريقيا و نقرأ ملحمة بصرية وفكرية صاغتها ثنائية فريدة (الانتماء الأمازيغي العميق ، والامتداد العربي الأصيل)
هذا الامتداد يتعدى الجوار الجغرافي ، إلى (حبكة) كونية تشابكت فيها حركة الموج المتوسطي مع صمت الصحراء الكبرى ، لتنتج إنساناً يقف بصلابة أمام تحولات الزمن.
في هذا المشهد البانورامي، تتجلى هذه الثنائية الفكرية لشمال إفريقيا كرقصة متناغمة بين حرف (التيفيناغ) المحفور على صخور الصحراء، وبين الخط (المغربي-الأندلسي) المنقوش على جدران القرويين في فاس ومساجد طرابلس القديمة. لقد شكل هذا التمازج العربي-الأمازيغي عقلاً جمعياً لا يعرف الانغلاق ، عقلٌ ورث عن البحر مرونته في استقبال الآخر ، وعن الصحراء صلابتها في حفظ الهوية ، هنا لم يمحُ الوافدُ الأصيلَ بل عانقه في كيمياء ثقافية جعلت من التنوع قوة دافعة للتفكير الفلسفي والصوفي على حد سواء.
التفتوا معي إلى فكرة النول الواحد وخيوط تتشابه في ليبيا و المغرب فإذا هبطنا من سماء الفكر إلى أرض المادة ، نجد أن اليد التي تغزل الصوف في طرابلس والجبل الأخضر ، هي ذاتها التي تحوكه في مراكش وشفشاون حيث يتجسد هذا التشابه المذهل في رداء الرجل و يعانق الجرد الليبي الأبيض بلفته الرومانية-العربية المهيبة ، نظيره السلهام (أو الجلابة) المغربي ، كلاهما ليسا مجرد قماش يقي من برد الشتاء أو لفح الصحراء بل هما خيمة متنقلة ، ورمز للوقار والستر الذي يميز إنسان هذه الأرض.
أما على مائدة الطعام فتتجلى فلسفة (الاجتماع البشري) حبة القمح التي تطحنها الرحى الحجرية في القرى الأمازيغية ، تتحول إلى (الكسكس) الذي يتربع على موائد البلدين كطقس من طقوس الكرم والالتفاف العائلي ، ورغم اختلاف النكهات والتوابل، تظل القصعة (الوعاء الفخاري أو الخشبي الكبير) هي الدائرة التي تذوب فيها الفوارق ، وتتوحد حولها الأيادي لتؤكد أن ما يجمع هذه الشعوب هو خبز الأرض وملح التاريخ.
هذا الفضاء الخصب لم ينجب إلا فكراً عابراً للحدود فإذا التفتنا إلى المغرب يطالعنا صوت العقل ممثلاً في الفيلسوف محمد عابد الجابري ، الذي شرّح العقل العربي ونقده من أجل نهضته ، والرحالة الكوني ابن بطوطة الذي جعل من طنجة نقطة انطلاق لقراءة العالم ، وفي المقابل تنبثق من رمال ليبيا أصوات لا تقل عمقاً تقف في طليعتها عبقرية الروائي والمفكر إبراهيم الكوني ، الذي حوّل الصحراء والطوارق من جغرافيا صامتة إلى أسطورة فلسفية تُقرأ بكل لغات الأرض ، ولا يمكن في هذا المقام إغفال الجسر الروحي والفكري الذي ربط البلدين ، ممثلاً في العالم الصوفي والفقيه أحمد زروق (المتوفى في مصراتة الليبية) ، الذي انطلق من المغرب ليصبح قطباً روحياً وعلمياً في ليبيا ، مجسداً بمسيرته وحدة الفكر والوجدان في هذا الفضاء المغاربي
إن ليبيا و المغرب على خريطة المتوسط ضفتان لنهر واحد من التراث و التحولات العاصفة التي مر بها حوض البحر الأبيض المتوسط عبر آلاف السنين لم تستطع أن تفكك هذه الجديلة بين جبال الأطلس ورمال أكاكوس ، لا يزال الإنسان الشمال إفريقي يرتدي صوفه ، ويأكل من قمح أرضه ويتحدث بلغتين هما في جوهرهما نبض لقلب واحد ، قلب ينبض بعروبة الانتماء وأمازيغية الجذور .