الملتقى / حسن الطفيلي
باحث بالشأن الإعلامي و الفكري
إذا ما يممنا وجهة رحلتنا صوب الغرب الإفريقي وتجاوزنا المدن بحداثتها و صخبها تبتلعنا صحراء كبرى فيها المهيب من الأسرار هناك حيث لا شيء يقطع امتداد الأفق سوى تموجات الكثبان الذهبية تبرز موريتانيا مداد للبداوة الأصيلة في عمق التاريخ ومع هذه العزلة الجليلة تقبع (شنقيط) المدينة التي لم تكتفِ بأن تكون محطة للقوافل بل نصبت نفسها منارة للعلم، وحارسة للغة الضاد في أقصى أقاصي الأرض ، محتضنة ثمانية قرون من التراث الإسلامي حيث اشتهرت بمكتباتها العامرة ، وعلمائها الأجلاء الذين عرفوا في المشرق العربي بلقب (الشناقطة)
وكانت محططة للوافدين لبيت الله مستقبلة قوافل الحجيج
هذه الرحلة تشبه قراءة تاريخية، نمشي فيها على رمال شهدت قرون المجد، ونستمع إلى همس المخطوطات القديمة، ونشرب الشاي على نغمات الشعر الجاهلي الذي لا يزال ينبض في صدور أهلها .
فما إن تطأ أقدامنا أزقة شنقيط القديمة حتى ندرك أننا عبرنا بوابة الزمن حيث تأسست هذه المدينة في القرن الثاني عشر الميلادي لتصبح سريعاً عاصمة دينية وتجارية ، ونقطة انطلاق قوافل الحجاج عبر الصحراء و بيوتها المبنية من الطين والحجارة الجافة تقف في مواجهة أبدية مع زحف الكثبان وكأنها ترفض النسيان كما
تتجلى عظمة شنقيط في مئذنتها الشهيرة ذات القاعدة المربعة ، والتي بنيت لتكون علامة هادية في بحر الرمال ، و في جوف هذه البيوت العتيقة ترقد المكتبات الشنقيطية الأهلية ، حيث تُحفظ آلاف المخطوطات النادرة في علوم الفقه و الفلك و الطب واللغة ، أوراقها الصفراء الهشة المخلدة في وجه الجفاف، تروي قصص علماء ارتحلوا بين المشرق والمغرب وتركوا إرثاً لا يُقدر بثمن و تحرسه عائلات توارثت هذه الأمانة جيلاً بعد جيل
أما من الناحية الثقافية و الأدبية لا يمكن فهم العقلية الموريتانية دون التوقف عند (المحظرة) تلك الجامعة البدوية المتنقلة التي لا جدران لها سوى أطناب الخيمة ، ولا سقف لها سوى سماء الصحراء ففي المحظرة يتلقى الطفل الموريتاني تعليمه حفظاً وتلقيناً بدءاً من القرآن الكريم مروراً بألفية ابن مالك في النحو ، ووصولاً إلى المعلقات العشر ودواوين العرب الأوائل ،
هذا النظام التعليمي الفريد هو السر وراء لقب (بلد المليون شاعر)في موريتانيا الشعر لا يتشابه مع غيرها و لا يتداول في الصالونات المغلقة في هذا البلد الشعر هو لغة الحياة اليومية الراعي في باديته والتاجر في سوقه والسياسي في منصبه ، جميعهم يرتجلون الشعر الموزون المقفى بسليقة تثير العجب. فصاحتهم غير متكلفة و هي امتداد طبيعي للحياة العربية الأصيلة التي حافظوا عليها نقية من شوائب (العوجمة) وذلك بفضل عزلتهم الجغرافية وانتمائهم الروحي للغة القرآن الكريم
في خيام شنقيط وبيوتها نجد الكرم دستورا صارما و يمثل القيمة العليا فمع (الأتاي)(وهو الشاي الموريتاني) قلب هذه الضيافة وله طقوس ثابتة لا تتغير حيث يُحضر الشاي على مهل فوق الجمر ويُصب من ارتفاع عالٍ لتكوين الرغوة البيضاء (الكشكوشة) ويُقدم في ثلاثة كؤوس متعاقبة.
يختصر الموريتانيون طقوس الشاي في قاعدة (الجيمات الثلاث)
_الجماعة فلا يُشرب الشاي فرادى ابدا بل في مجلس يتبادل فيه الحضور أطراف الحديث والشعر
_الجمر فيُطبخ الشاي على الجمر الهادئ ليأخذ وقته الكافي
_الجر (التمهل) ألا يُسرع في تحضيره فجلسة الشاي هي مساحة للتأمل والتواصل
(الكأس الأول مر كالحياة ، والثاني حلو كالحب ، والثالث خفيف كالموت) هذا مَثل شعبي يصف كؤوس الشاي الثلاثة.
و المرأة الشنقيطية هي سيدة الخيمة وحارسة التراث الأصيل وصانعة المستقبل بأصالة التاريخ و التراث فإذا كان الشعر هو روح شنقيط فإن المرأة هي قلبها النابض هنا تتمتع المرأة الموريتانية بمكانة اجتماعية استثنائية قلّ نظيرها في المجتمعات هي (سيدة الخيمة) وصاحبة الكلمة المسموعة والرأي المُقدر والمربية و الأم و تتجلى هذه المكانة في اعتزازها (بالملحفة) ذلك الثوب التقليدي الفضفاض الذي يلف جسدها بألوان زاهية تقهر رتابة الصحراء بارزة كرمز للهوية والوقار وفي مشهد مدهش تُعد المرأة الموريتانية مثقفة بامتياز تشارك في مجالس الشعر تنقد القصائد وتتغنى بـ (التبراع) وهو فن شعري نسائي خالص تُعبر فيه المرأة عن مشاعرها ورؤيتها للحياة بإيجاز وعمق ،
علاوة على ذلك لا يُنظر إلى الانفصال أو الطلاق في المجتمع الموريتاني التقليدي كوصمة عار بل غالباً ما تعود المرأة إلى بيت أهلها معززة مكرمة حتى انه تُقام لها الاحتفالات في دلالة قاطعة على استقلاليتها وقيمتها الذاتية التي لا تنتقص بتغير حالتها الاجتماعية
و مع قرب النهاية لا يزال ينقصنا الكثير عن هذا البلد العربي العجيب و الجميل
و أن نعيش في كنف موريتانيا، يعني أن نعود بالزمن إلى عصور نقاء اللغة وصفاء الذهن هي رحلة نخلع فيها عن اكتافنا عبء السرعة المفرطة لنتعلم من أهل الصحراء كيف نقرأ النجوم ، وكيف نوقر الكلمة وكيف نجعل من الرمال القاحلة وطناً للعلم والأدب
شنقيط لمن يعشق العربية و يحمل الوفاء للوطن العربي ، ذاكرة أمة وخزانة تاريخ وقصيدة طويلة لن تُكتب نقطة نهايتها و ستبقى حتى الرمال تتحدث بالفصحى و رياحها تحمل صدى قوافي شعرائها إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها