الملتقى / حسن الطفيلي
باحث في الشأن الإعلامي و الفكري
من يزور سلطنة عمان أو يقرأ عنها كمن يلج نبوءة قديمة عقارب الساعة مع إشارتها للوقت تذهلنا بصيرورة التاريخ حيث تلتقي أصالة الماضي بتطلعات المستقبل في تناغم مبهر متميز وعندما نعبر حدودها يمتلكنا إحساس جارف بأننا نتهبط إلى أعماق الأرض لنستمع إلى دقات قلبها الحجرية وتستنشق أنفاس الشجر المقدس ونلمس بأيدينا امتداد إمبراطورية بحرية صاغت مجدها في وقار .
(مجان) القديمة وقلاعها حيث
تبدأ الرحلة من الجذور من زمن كانت تُعرف فيه هذه الأرض باسم(أرض النحاس) انطلقت السفن العُمانية لتطوع المحيط الهندي وتؤسس إمبراطورية بحرية امتدت إلى شرق أفريقيا حاملةً الفكر واللغة والتبادل الحضاري ،
هذا الامتداد التاريخي مكلل بهندسة معمارية تتجلى في قلاعها التي تنبت من قمم الجبال (كقلعة نزوى) ببرجها الدائري العظيم وشواهدها الفقهية و(حصن بهلاء) المهيب المدرج على قائمة التراث العالمي (اليونسكو) والمبني من الطين واللبن محاطاً بأسوار تروي قصصاً القدم من العراقة وتحت ظلال هذه القلاع ينساب نظام (الأفلاج) العجيب ، الذي شق به العُمانيون جوف الأرض ليسوقوا الماء في قنوات دقيقة تتحدى الجاذبية لتروي الواحات الخضراء و أما إذا ما اتجهنا جنوبا نحو محافظة ظفار تنكشف أمامنا جوهرة السياحة العُمانية وعاصمتها الجنوبية (صلالة) هنا تتجلى جغرافيا الدهشة في أبهى صورها فبينما يعيش العالم العربي قيظ الصيف تعيش صلالة بفضل (موسم الخريف) مناخاً استثنائياً ، حيث يلفها الضباب الأبيض الكثيف وتهطل الأمطار الخفيفة (الرذاذ) لتحيل الجبال القاحلة إلى سجاد ممتد من المراعي الخضراء اليرعة كما تتحول المدينة إلى واحة غناء تسحر الألباب من شلالات (دربات) المتدفقة وسط المنحدرات إلى العيون العذبة مثل (عين رزات) و(صحلنوت) هنا نرتمي في أحضان طبيعة بكر تجمع بين اخضرار الجبال الشاهقة والشواطئ الرملية البيضاء النظيفة المطلة على بحر العرب كشاطئ (المغسيل) بنوافيره الطبيعية المتفجرة و الأشجار المقدسة و طقوس اللبان في أودية صلالة القاحلة المحيطة ، المنبتة لأشجار اللبان (الفرنكشينس) المجعدة التي تخبئ في عروقها ثروة العالم القديم ، وحين يجرح المزارعون لحاءها تنزف الأبيض المتجمد ليصبح حبات من الرغد العطري هذا اللبان هو الذي ربط عُمان بحضارات الفراعنة و الرومان والإغريق حيث كانت قوافله تشق الصحاري لتصل إلى معابد روما والقدس و استنشاق دخان اللبان الحوجري الفاخر في أزقة (سوق الحافة) التقليدي في صلالة هو عبور روحي يربطك بصلوات البشر الطامحة نحو السماء منذ آلاف السنين حيث يمتزج عبق العطر بأصوات الباعة وحكاياتهم الشعبية و تتكامل لوحة الطبيعة العُمانية بتنوعها البيئي الأخاذ فمن مسندم شمالاً بمضايقها الجبلية التي تُلقب بـ ( نرويج الشرق الأوسط) حيث تدور الدلافين إلى قمم (الجبل الأخضر) و (جبل شمس) بمدرجات الرمان والورد وصولاً إلى (رمال الشرقية) بكثبانها النحاسية التي تقدم للزائر أوركسترا الصمت والسكينة تحت سماء مرصعة بالنجوم ، هذا الثراء البصري ترجمه الإنسان العُماني عبر الفن المعماري والتشكيلي إذ تحافظ المدن بقرار ثقافي حكيم على طابعها الأفقي والإسلامي التقليدي بعيداً عن ناطحات السحاب ، وفي هذا الإطار انطلق رواد الفن التشيلي كالفنان الراحل أنور سونيا ، لتجسيد حياة البادية والنساء بملابسهن التقليدية الملونة وحليهن الفضية، تلتهم أجيال شابّة صاغت من (الخنجر العُماني) وصناعة الفضة خطاباً فلسفياً يطوف المعارض الدولية
ينتهي جزء من الرحلة في عُمان لكن أثرها لا ينتهي تخرج منها محبلاً برائحة الهيل واللبان الظفاري ، محملاً بصور الوجوه السمرة التي تقابلك بابتسامة دافئة وقهوة زعفرانية لا تغيب و مع سلطنة الجمال واحة روحية تذهب إليها لترتب فوضى نفسك وتتعلم من جبالها الصبر ومن بحارها الاتساع ، ومن أهلها كيف يكون النبل أسلوب حياة ، سلطنة عمان جنة من أرض الوطن العربي