((أول يوم في رمضان هي بوابة الطمأنينة وضجيج الحنين) 

((أول يوم في رمضان هي بوابة الطمأنينة وضجيج الحنين) 

  • الأربعاء 18 فبراير 2026
  • 09:34 AM

 

الملتقى / شيخة الدريبي 

السعودية الشرقية 

​يأتي أول يوم في رمضان كضيف عزيز طال انتظاره، لا يشبه في تفاصيله أي يوم آخر من العام. هو ليس مجرد انقطاع عن الطعام والشراب، بل هو "إعادة ضبط" شاملة للروح والجسد، وإعلان صريح عن رغبة الإنسان في السمو فوق احتياجاته المادية ليتصل بجانبه الروحاني ​ترقب الفجر بصمت الصائمين ​تبدأ الحكاية قبل بزوغ الشمس؛ في تلك اللحظات"المقدسة" وقت السحور. هناك هدوء يلف البيوت، وصوت ملاعق يتردد ببطء، وتوجس جميل من "النية". ومع أذان الفجر، يحل صمت مختلف، صمت يوحد الملايين في تجربة مشتركة من الصبر والانتظار.و​في نهار اليوم الأول، تشعر ببطء الوقت في البداية وخلف هذا التعب البدني، تكمن راحة نفسية عميقة ومشاعر تغلفها الرحمة والتوادّ.​لا يوجد مشهد يضاهي تجمع العائلة حول مائدة واحدة في انتظار الأذان. تلك الدقائق الأخيرة هي ذروة الصبر الجميل. ومع كلمة "الله أكبر"، لا تنتهي ساعات الجوع فحسب، بل يبدأ شعور هائل بالامتنان والرضا. يرتشف الصائم جرعة الماء الأولى، فتنساب في عروقه وكأنها تعيد الحياة لكل خلية، وتذكره بقيمة النعم البسيطة التي يغفل عنها طوال العام و​لا يكتمل اليوم الأول إلا بصلاة التراويح ذلك التزاحم المحبب في المساجد، وصوت الإمام الذي يرتل آيات الذكر الحكيم، ورائحة البخور التي تملأ الأجواء. هنا يدرك الجميع أن رمضان ليس موسماً للطعام، بل هو محطة للتزود بالسكينة التي سترافقهم طوال العام وأول يوم في رمضان هو "قصة حب" تتجدد كل عام، يذكرنا بأننا قادرون على التغيير، وأن أجمل ما في الإنسان هو قدرته على الانضباط حباً وطاعة.و​لا يمر أول يوم في رمضان مرور الكرام على الصعيد الاجتماعي، فهو اليوم الذي "تُرفع فيه الرايات البيضاء" أمام الخلافات، وتجتمع فيه العائلة الممتدة (الجد والجدة، الأعمام، الأخوال) حول مائدة واحدة. وتكمن القيمة الحقيقية في "أول لقاء" بعد غياب عام، حيث يتبادل الجميع التهاني بعبارة "مبارك عليكم الشهر"، وهي جملة تحمل في طياتها وعوداً بفتح صفحة جديدة من المحبة.ويعاني عشاق القهوة والشاي من "صداع اليوم الأول"، لكن هذا التحدي البدني يرسخ فكرة أن الإنسان هو سيد عاداته وليس عبداً لها والمدهش في أول يوم هو تلك "السكينة" التي تنزل على الصائمين؛ فرغم الجهد، تجد في العيون بريقاً من الرضا، وكأن الروح تتغذى بينما الجسد يترقب.وتتزين شوارع المدينة لوحة رمضانية متحركة وقبيل المغرب بساعة، تتحول الشوارع إلى سباق هادئ نحو المنازل، وتخلو الطرقات تماماً عند الأذان في مشهد مهيب يجسد وحدة المجتمع. ويبدأ الكثيرون بوضع خطط للقراءة، والذكر، والابتعاد عن العادات السيئة.حيث يشعر المرء بقدرته الخارقة على الالتزام، مما يعطيه دفعة معنوية لما تبقى من الشهر.مع ترانيم التراويح و صوت الإمام وهو يقرأ أوائل سورة البقرة وقعٌ خاص في القلوب، إذ يُعلن رسمياً انطلاق "ماراثون الطاعة". وصوت "آمين" الجماعي، كلها ترسم لوحة من الانتماء والسكينة.إن أول يوم في رمضان ليس مجرد رقم في التقويم، بل هو "ولادة جديدة" للشخصية المسلمة. هو اليوم الذي يثبت فيه الإنسان لنفسه أنه يستطيع أن يكون أفضل، وأن الصبر لذيذ، وأن القرب من الله ومن العائلة هو الملاذ الحقيقي في هذا العالم المتسارع..

 

اشترك الآن في النشرة الإخبارية

نشرة اخبارية ترسل مباشرة لبريدك الإلكتروني يومياً

العوده للأعلي