((تعاتبني نفسي على تقصيري)) 

((تعاتبني نفسي على تقصيري)) 

  • الخميس 12 فبراير 2026
  • 08:41 AM

شيخة الدريبي

 السعودية الشرقية 

 

تعاتبني نفسي في لحظات الصمت، حين يهدأ كل شيء من حولي ولا يبقى سوى صوتها الخافت يذكّرني بما كان ينبغي أن أفعله ولم أفعل. لا ترفع صوتها، لكنها موجعة، لأن عتابها صادق، نابع من معرفة تامة بنواياي وقدراتي، وبالفرص التي أهملتها دون عذر مقنع.فتسألني نفسي لماذا أخرت ما تعلم أنه مهم؟ ولماذا رضيت بالقليل وأنت قادر على الأفضل؟ فأقف عاجزًا عن الإجابة، أبحث عن مبررات تبرئ تقصيري، فلا أجد سوى أعذار واهية لا تصمد أمام صدق السؤال عندها أدرك أن أقسى أنواع العتاب هو ذاك الذي يأتي من الداخل، لأنه لا يُكذب ولا يُتجاهَل.واعلم أن التقصير صفة بشرية، وأن الكمال ليس لنا، لكن ما يوجعني حقًا هو تقصيري فيما أملك القدرة على إنجازه، وفي حق نفسي قبل غيري. فكم من حلم أجلته، وكم من واجب تهاونت فيه، وكم من خطوة إلى الأمام استبدلتها بالوقوف في منطقة الراحة ومع ذلك، لا يأتي عتاب النفس دائمًا ليحطمنا، بل أحيانًا ليوقظنا. هو رسالة خفية تقول ما زال الوقت متاحا وما زالت الفرصة قائمة لتصحيح المسار. فالنفس التي تعاتب هي نفس لم تمت فيها الرغبة، ولم ينطفئ فيها الأمل.اصغي إلى عتابها اليوم لا لأجل جلد الذات، بل لأفهم، وأتعلم، وأبدأ من جديد. ووعدها وحاول بصدق، أن تكون أرحم بها دون أن تكون متساهلًا، وأن تجعل من العتاب دافعًا لا عبئا ومن التقصير درسا لا نهاية.فما دام في النفس صوت يذكّر ففي القلب حياة، وفي الغد متسع للتغيير ..

وتتمادى نفسي في العتاب حين تقارن بين ما أنا عليه الآن وما كنت أطمح أن أكونه تضع أمامي صورة أحلامي نقية ثم تنظر إلي نظرة سؤال  أين ذهبت تلك العزيمة فأشعر بثقل المقارنة، لا لأن الواقع سيئ، بل لأنني أعلم في قرارة نفسي أنني لم أبذل كل ما أستطيع.أحيانًا أحاول الهروب من هذا العتاب بالانشغال، بالضجيج، بتأجيل التفكير، لكن النفس لا تنسى. فتعود في أوقات غير متوقعة، في آخر الليل، أو عند أول فشل، أو حين أرى نجاح غيري، فتوقظ فيّ شعور التقصير من جديد. عندها أفهم أن تجاهل النفس لا يلغي صوتها، بل يزيده إلحاحًا ومع كل هذا أتعلم أن القسوة على الذات ليست حلًا فالنفس التي تُجلَد تُنهَك، والتي تُفهم تُصلَح. لذلك حاول أن توازن بين المحاسبة والرحمة، بين الاعتراف بالخطأ والإيمان بالقدرة على التغيير. فليس العيب أن أقصر، بل العيب أن أعتاد التقصير وأجعله أسلوب حياة.أدرك اليوم أن الطريق إلى الإصلاح لا يبدأ بالندم وحده، بل بخطوة صادقة، مهما كانت صغيرة. فكل محاولة جادة هي اعتذار عملي للنفس، وكل تقدم ولو بسيط هو إسكات مؤقت لذلك العتاب المؤلم وهكذا أتعلم أن أصادق نفسي بدل أن أهرب منها، وأن أجعل من عتابها مرآة أرى فيها ضعفي وقوتي معًا..

لذا تعاتبني نفسي في هدوء اللحظات التي أكون فيها وحيدًا مع أفكاري، حين تسكن الأصوات الخارجية ويعلو صوت الداخل واضحًا وصريحًا. لا تصرخ نفسي، ولا تتهم، لكنها تذكّر، وعتابها أشد وقعًا من أي لومٍ آخر، لأنها تعلم جيدًا أين أخطأت، وأين توانيت، وأين كان بإمكاني أن أكون أفضل مما كنت.تسألني نفسي عن تقصيري في حقها قبل تقصيري في حق غيري، عن الأيام التي مضت دون إنجاز يُذكر، وعن الفرص التي مرت ولم أحسن اغتنامها. فأحاول الدفاع عن نفسي بأعذار اعتدت تكراره كضيق الوقت، وكثرة المسؤوليات والتعب، والخوف من الفشل. لكن نفسي لا تقتنع، لأنها تعلم أن هذه الأعذار لم تكن دائمًا حقيقية، بل كانت في كثير من الأحيان ستارا أُخفي خلفه كسلي وترددي ورغم قسوة هذا العتاب، أبدأ في إدراك حكمته. فالنفس التي تعاتب لم تفقد الأمل، ولم تستسلم، بل ما زالت تطالبني بأن أكون النسخة التي أعرف أنني قادر على أن أكونها. إن عتابها ليس عقابًا، بل نداءً خفيًا للإصلاح، ودعوة صادقة للعودة إلى الطريق الذي ابتعدت عنه فأسأل الله أن يجعل عتاب نفسي سببًا لقربٍ منه لا بعد، وأن يعينني على إصلاح ما قصّرت فيه، وأن يرزقني إخلاص النية وحسن العمل، وألا يكلني إلى نفسي طرفة عين. فإذا أصلحت علاقتي بربي، صلح ما بيني وبين نفسي، وسكنت الروح، واطمأن القلب..

اشترك الآن في النشرة الإخبارية

نشرة اخبارية ترسل مباشرة لبريدك الإلكتروني يومياً

العوده للأعلي