الملتقى / شيخة الدريبي
السعودية الشرقية
ليست كل اللقاءات تُرتَّب، ولا كل الوجوه نعثر عليها بإرادتنا. بعض الأرواح تظهر في حياتنا فجأة، بلا مقدمات، كأنها كانت تعرف الطريق إلينا قبل أن نعرف نحن الطريق إليها. نلتقيها دون ميعاد، لكنها تترك فينا أثرًا يشبه المواعيد المؤجلة منذ زمن بعيد.تلك الأرواح لا تسأل عن الوقت ولا المكان، قد نصادفها في لحظة عابرة اوكلمة قيلت صدفة، اونظرة سريعة، او حديث قصير في طريق طويل. ومع ذلك، نشعر وكأن بيننا وبينها معرفة قديمة، كأنها جاءت لتوقظ شيئًا نائمًا في داخلنا. لا نعرف لماذا نطمئن لها، ولا كيف نمنحها ثقتنا بسهولة، لكن القلب يفهم ما تعجز عنه الأسئلة.وبعض هذه الأرواح تأتي لتعلّمنا، لا لتبقى. تدخل حياتنا كدرسٍ خفيف أو قاس، تترك أثرها ثم تمضي، وكأن مهمتها انتهت. نشتاق لها أحيانًا، لا لأنها كانت مثالية، بل لأنها كشفت لنا جانبا من أنفسنا لم نكن نراه من قبل. وهناك أرواح أخرى تبقى، تتجذر في تفاصيل أيامنا، وتصبح جزءًا من ذاكرتنا وصوتنا الداخلي.والغريب أن هذه اللقاءات الغير المتوقعة تكون غالبًا الأصدق. لا أقنعة فيها، ولا حسابات مسبقة. نكون على طبيعتنا، وربما لهذا السبب تلامسنا بعمق. إنها تذكرنا بأن الحياة لا تقاس بما نخطط له فقط، بل بما تهديه لنا على حين غفلة ..
وفي النهاية، تبقى أرواح التقينا بها دون ميعاد علاماتٍ مضيئة في طريق العمر. قد لا نفهم سبب حضورها لكننا نوقن أنها جاءت في الوقت الذي كنا نحتاجها فيه، حتى وإن لم نكن نعلم ذلك حينها.وأحيانًا لا يكون اللقاء حدثًا عابرًا، بل لحظة فاصلة تتغيّر بعدها ملامح الروح. نلتقي بأشخاص لم نكن نبحث عنهم، ولم نخطط لوجودهم، لكنهم يدخلون حياتنا كما يدخل الضوء من نافذة لم ننتبه لوجودها من قبل. لا يطرقون الباب، بل يجدوننا في لحظة صدق، اوضعف، أو اكتمال.هذه الأرواح تشبه المرايا نرى فيها أنفسنا كما لم نرهامن قبل. قد تكشف لنا خوفًا كنا نتجاهله، أو حلمًا كدنا ننساه، أو جرحًا ظنناه اندمل. وجودها لا يكون دائمًا مريحًا، لكنه يكون حقيقيًا، ( والحقيقة وإن آلمت تهذّب القلب وتعيد ترتيبه )ومن الغريب أن أقصر اللقاءات قد تترك أطول الأثر. دقائق من حديث صادق قد تغيّر نظرتنا للحياة، وكلمة واحدة في وقتٍ هش قد تُنقذنا من الانكسار. كأن بعض الأرواح تُرسل إليناكرسائل، تحمل معنى محددًا، وما إن نلتقطه حتى تختفي بهدوء، تاركة خلفها صدى لا يزول ..
كذلك هناك الأرواح التي تأتي لتعلّمنا الفقد. لا لأنها قاسية، بل لأن الرحيل جزء من حكمتها. تعلّمنا كيف نحب دون تملك، وكيف نشتاق دون أن ننهار، وكيف نكمل الطريق ونحن نحمل الذكرى ونفهم أن بعض العلاقات لا تُقاس بطولها، بل بعمقها وفي زحام الأيام، حين نلتفت إلى الوراء، لا نتذكر كل من مرّ بنا، بل أولئك الذين لمسوا أرواحنا دون استئذان. أولئك الذين التقينا بهم دون ميعاد، لكنهم كانوا، بطريقة ما، من أكثر المواعيد صدقًا في حياتنا. وتأتي هذه الأرواح غالبًا ونحن في أكثر حالاتنا صدقًا مع أنفسنا حين نكون متعبين من التمثيل، أو منهكين من التوقعات، أو واقفين في منتصف طريق لا نعرف إلى أين يقود. تظهربلا وعود، وبلا ادّعاء، فقط حضورخالص يربك القلب ويطمئنه في آنٍ واحد. معها نتحدث بسهولة، كأن اللغة بيننا قد وُجدت قبل اللقاء. نصمت دون حرج، ونبوح دون خوف. لا نحتاج إلى شرح طويل، فالنوايا مفهومة، والمشاعر مكشوفة. كأن الروح تتعرف على شقيقتها، لا على غريب عابر.لكن هذه اللقاءات لا تكون دائمًا عادلة. أحيانًا نلتقي بأرواح في وقت لا يسمح لها بالبقاء، أو في ظرف لا يحتمل الاكتمال. فنفترق رغم التقارب، ونبتعد رغم القرب، ونظل نتساءل ماذا لو كان الوقت أرحم؟ ماذا لو التقينا في نسخة أخرى من الحياة؟ غير أن الحكمة الخفيةتخبرنا أن اللقاء حدث كما يجب، لا أكثر ولا أقل.وتمرّ الأيام، وتبرد التفاصيل، لكن الأثر يبقى. يبقى في نبرة صوت نتذكرها فجأة، في جملة تشبه ما قيل لنا ذات يوم، في موقف نشعر فيه أن أحدهم كان سيفهمنا لو كان هنا. تلك الأرواح لا ترحل تمامًا، بل تتحول إلى جزء صامت من تكويننا.نحن لا نخرج من هذه اللقاءات كما دخلناها. نخرج أهدأ، أو أعمق، أو أكثر وعيًا بأن القلوب لا تلتقي عبثًا. وربما لهذا السبب، لا نحزن على هذه الأرواح كما نحزن على غيرها نحن نمتن لها، حتى وإن آلمتنا، لأنها مرّت في حياتنا لتذكّرنا بأن الروح ترى حتى في أقصر اللقاءات ..