الملتقى / حسن الطفيلي
باحث في الشأن الإعلامي و الفكري
رحلتنا مميزة كثيرا في هذا المقال ، العراق و سوريا فمع بداية تعلم الأرض كيف تنطق اسمها وقبل أن ترسم الخرائط حدود الأوطان ، كانت الجغرافيا تقرأُ فاتحة الوجود في بقعة تعمدت بماءالفرات.
هناك في العراق وسوريا كان المكان (الرئة الأولى)التي تنفس منها كوكب الأرض حضارته و كتبتها آلهة الأساطير القديمة ورددتها حناجر الأنهار .
دمشق ، سيدة الوقت و عنوان البدايات
عندما اختارها التاريخ عاصمته الأولى هذه المدينة التي لم تخلع ثوب الحياة يوما تقف كأقدم عاصمة مأهولةعلى وجه البسيطة، تتكئ على جبل قاسيون كملكة لا تشيخ و في حاراتها تخطو فوق تنهيدات الأمويين وهمسات الآراميين فدمشق هي (ذاكرة الأرض)حيث يعترش الياسمين على جدرانها ليخفي خلف بياضه أسرار حضارات مرت و تركت سيوفها وأشعارها ومضت بينما بقيت مدينة تبتسم لبردى كل صباح.
واذا ما حلقنا للعراق إلى بابل نحو الشرق هناك تنهض أرض الرافدين حارسة الألواح ومبتدأُ القانون ففي العراق ينحني الزمان إجلالا (لبوابة عشتار) حيث يتوهج الآجر المطلي باللازورد ، وتزأر أسود بابل وتنانينها (الموشخوشو) لتحرس جلال الملوك .
في العراق ، علم السومريون والأكاديون والبابليون الأرض كيف تزرع سنابلها ، وكيف تبني زقوراتها ، أما النخلة العراقية التي كانت الوتد الذي يثبت خيمة التاريخ كي لا تطير بها رياح النسيان
دعونا نتأمل سوية حوار الحروف (من المسمارية إلى الأوغاريتية)
هذا المشرق العظيم لم يكتفي بإطعام البشرية ، بل أهداها (صوتها) ففي طينِ سومر غرس القلم الأول لتولد (الكتابة المسمارية) وتنتقل الإنسانية من عتمة النسيان إلى نور التوثيق وعلى التوازي الجغرافي والروحي كانت (أوغاريت)على الساحل السوري تبتكر المعجزة الأبجدية فمن هناك طارت الحروف كطيور بيضاء ، لتطوف العالم وتعلم البشر كيف يكتبون قصائد الحب إلى الآن ، وكيف يدونون مواثيق السلام ،طين العراق وحجر سوريا هما الورقة والقلم اللذان كتبا سفر العقل البشري و الترابط بين سوريا والعراق يتجاوزُ السياسة والجغرافيا ، هو ترابط جيولوجي وروحي فنهر الفرات هذا الرحالة العظيم الذي ينحدر من الشمال يعبر الأراضي السورية كعاشق متيم ليصب في قلب العراق حاملا معه رسائل الياسمين ليلقيها في أحضان النخيل إنه الحبل السري الذي يغذي الهلال الخصيب جاعلا من حلب وبغداد ومن تدمر ونينوى عائلات من الأوابد تتبادل التحايا عبر رياح البادية
ومع هذه الرحلة الجميلة نجلس أمام جلال هذا المشرق لندرك أن سوريا والعراق هما (نسخة عظيمة)للبشرية كل حضارة جاءت بعدهما هي اقتباس وكل. مدينة أخرى هي حذت حذو دمشق أو بابل
سيبقى العراق و سوريا حارسين لهيكل الشرق ، جذورهما متأصلة في عمق الطين وجباههما تلامس سدرة المجد.