الجزائر تتنفس التاريخ وتنبض بالأصالة في قلب العالم العربي

الجزائر تتنفس التاريخ وتنبض بالأصالة في قلب العالم العربي

  • السبت 23 مايو 2026
  • 09:16 AM

 

الملتقى / حسن الطفيلي 
باحث في الشأن الإعلامي و الفكري

 

​حين نتحدث عن الجزائر عن قارة بأكملها نختزل في تضاريسها وتاريخها قصة الوجود الإنساني  بوصفها المساحة الأكبر عربياً وإفريقياً حيث تقف الجزائر كحارسٍ بوابتُه البحر الأبيض المتوسط وجذوره الممتدة في عمق الصحراء الكبرى لترسم لوحة  فريدة تتداخل فيها الجغرافيا الساحرة مع التاريخ العريق وتتقاطع فيها الثقافة المتنوعة مع الثقل السياسي الاستراتيجي 
فترى ​الجغرافيا حيث سحر التناقضات المتناغمة​فالامتداد الى  مساحات شاسعة تخلق تنوعاً بيئياً لا مثيل له يقدم للناظر لوحة بصرية تدهش القلب .

يبدأ المشهد من شريط ساحلي يمتد لأكثر من 1200 كيلومتر يعانق زرقة المتوسط ويحتضن مدناً بيضاء تاريخية، صعوداً إلى سلسلة جبال الأطلس (التلي والصحراوي) التي تكللها الثلوج شتاءً وتكسوها الغابات الكثيفة، وصولاً إلى قلب البلاد النابض (الصحراء الكبرى)و ​في الجنوب تقف جبال الطاسيلي ناجر والهقار كشواهد حية على إشراقة البشرية حيث تضم أكبر المتاحف المفتوحة في العالم بنقوش صخرية تروي حكايات الإنسان قبل آلاف السنين وسط كثبان رملية ذهبية وواحات طبيعية تخطف الأنفاس.

​لا يمكننا المرور على التاريخ و الحضارات   فالجزائر لم تكن  يوماً معبراً هامشياً في التاريخ بل كانت صانعة له وموطناً تعاقبت عليه أعظم الحضارات.

 تبدأ القصة من مملكة نوميديا القديمة التي أسسها القائد ماسينيسا، مروراً بالآثار الرومانية الخالدة التي لا تزال أعمدتها شامخة في مدن مثل (تيمقاد)و(جميلة) وصولاً إلى الفتوحات الإسلامية التي رسخت هويتها العربية والإسلامية 
​ وأيضا نقف بإجلال أمام حقبة الكفاح المسلح فقد قدم هذا البلد أروع ملاحم التحرر في العصر الحديث متوجا ثورته بلقب (بلد المليون ونصف المليون شهيد) ليصبح رمزاً عالمياً لرفض الاستعمار والظلم ومنارةً ألهمت حركات التحرر في العالم بأسره ، فالجزائر حازت على لقب ​(قبلة الثوار) وحصن العروبة .

​استراتيجياً وسياسيا  تمثل الجزائر ركيزة أساسية وعموداً فقريا في استقرار العالم العربي فهي تعدت كونها قوة ديموغرافية واقتصادية ، إلى  عقيدة دبلوماسية راسخة تقف دائماً في صف القضايا العادلة.
​لُقبت تاريخياً بـ (قبلة الثوار) لاحتضانها ودعمها لحركات التحرر وما زالت حتى اليوم صوتاً عربياً وازناً يسعى للم الشمل العربي والدفاع عن القضايا المركزية، وعلى رأسها القضية الفلسطينية، رافضةً المساومة على الثوابت التاريخية ، لتثبت دائماً أن استقرار وعزة العالم العربي يمر حتماً عبر بوابة الجزائر 

​أما ​الثقافة والادب و الفن  الجزائري هو نتاج تمازج  بين المكونين العرب والأمازيغي مع لمسات متوسطية أندلسية وإفريقية ، هذا الثراء المذهل انعكس جلياً على الأدب الجزائري الذي لم يكتفِ بالمحلية بل حلق نحو العالمية حيث
​أنجبت هذه الأرض قامات أدبية وفكرية استثنائية أسست تياراً متفرداً في الرواية والشعر والفكر بدءاً من المفكر مالك بن نبي ، والروائي كاتب ياسين ، والأديبة آسيا جبار (التي دخلت الأكاديمية الفرنسية) ، وصولاً إلى أحلام مستغانمي وواسيني الأعرج وغيرهم ممن أثروا المكتبة العربية والعالمية ، ​أما فنياً  فتتدرج الإيقاعات من الطرب (الأندلسي و الشعبي) العريق في تلمسان والجزائر العاصمة ، إلى موسيقى (الراي) التي خرجت من وهران لتغزو العالم ، وصولاً إلى أهازيج الصحراء وموسيقى الشاوي والقبائلي التي تعبر عن ارتباط الإنسان بالأرض 
​وننتقل الى التقاليد الجزائرية التي تأبى  الاندثار ل​يتجلى النبض الجزائري في تقاليده اليومية التي يحرص الجيل الجديد على توريثها .

يبدأ ذلك من المطبخ الجزائري العريق الذي يتربع على عرشه الكسكسي كطبق يصنع لمة العائلة، ويمتد إلى التفاصيل الجمالية في الأزياء التقليدية التي تعكس هوية وتاريخ كل منطقة، مثل الشدة التلمسانية (المصنفة ضمن التراث العالمي لليونسكو كأيقونة للجمال والفخامة) والكاراكو العاصمي بخيوطه الذهبية ، واللباس النايلي ، والملحفة الشاوية ، ​هذه التقاليد هي  أسلوب حياة يعكس تشبث الجزائري بجذوره وهويته المتعددة الأبعاد ، مبرزاً قدرته على المعاصرة دون التفريط في الأصالة.

​الجزائر البلد العربي العظيم هو تجربة يجب أن نعيشها  وحكاية نرويها بكل فخر هي قوة  الحاضر ، وعراقة الماضي ، والصوت العربي الذي لا يخبو ، من أدبها نستلهم الحرف ، ومن تاريخها نتعلم العزة ، وفي جغرافيتها نكتشف سحر الكون.

 

اشترك الآن في النشرة الإخبارية

نشرة اخبارية ترسل مباشرة لبريدك الإلكتروني يومياً

العوده للأعلي