الملتقى / حسن الطفيلي
اليمن ، ذاكرة الأرض المفتوحة على سماء الأبديّة حيث تقف الجبال ساهرةً تحرس أمجاد سبأ وحِمير ، وحيث ينطق الحجر العتيق بحكايات حضارةٍ علّمت البشرية أبجدية البناء كقصيدةٌ ملحمية صاغتها الأيام بقافية الصمود ، معطرة بعبق البن اليمني الأصيل ، ومجبولة بعزة أرواحٍ تأبى الانكسار مهما بلغت الصعاب غير أننا حين نتأمل المشهد اليوم عبر عدسات المحافل الدولية ، غالباً ما تتصدر الصورة غيوم الأزمات المتلاحقة والظروف الإنسانية القاسية ، لكن وخلف هذه الواجهة المليئة بالندوب ينبض قلبٌ آخر لهذا البلد العريق قلبٌ يمثله جيل من الشباب الذين وجدوا أنفسهم في عين العاصفة ، فلم يكتفوا بالوقوف على أطلال الماضي أو لعب دور الضحية ، بل شرعوا يسطرون ملاحم صامتة ، محولين التحديات الوجودية إلى رافعات للنهوض ، واليأس المحيط بهم إلى إرادة صلبة لصناعة غدٍ مختلف
يمارسون الخطوب بإدارة الواقع بصلابة
حيث يعيش الشاب اليمني في بيئة تتسم باهتزاز الاستقرار الاقتصادي والسياسي، وتراجع حاد في الفرص الأساسية ، إنها ظروفٌ قاهرة قد تفتت عزيمة الجبال ، لكنها في مفارقة عجيبة صقلت وعي الشباب اليمني ومنحتهم متانة استثنائية.
لقد أدرك هذا الجيل مبكراً أن الانتظار السلبي لترياقٍ خارجي لن يبني مستقبلاً ، فابتكروا آليات ذاتية للتعايش الفعّال مع الأزمات ، بدءاً من المشاريع الريادية الصغيرة المعتمدة على الفضاء الرقمي ، وصولاً إلى المبادرات المجتمعية التي تسد فجوات المؤسسات الرسمية وهذا التعاطي العملي مع الواقع رغم انه رد فعل غريزي للبقاء، ولكنه أيضا تحول إلى طاقة إنتاجية مذهلة تعكس قدرة الإنسان على التكيف والإبداع تحت الضغط .
وهنا نشاهد هندسة التحفيز في رحم المعاناة انه كيف يمكن لعقلٍ شاب أن يحافظ على اتقاد شغفه في ظل هذا الركام؟ الإجابة تكمن في ظاهرة يمكن تسميتها بـالتحفيز الذاتي التكافلي
فالتحفيز في اليمن ، غدا ممارسة يومية وشكلاً من أشكال التضامن الاجتماعي .
إن إسناد الأقران لبعضهم البعض، والاحتفاء بالمنجزات وإن صغرت ، وتحويل قصص النجاة الفردية إلى أيقونات تُحتذى ، أصبحت بمجملها أدوات حيوية للمقاومة النفسية حيث يستمد الشاب اليمني دافعيته من إيمانٍ عميق بضرورة الاستعداد التام والتسلح بالمعرفة والمهارة ليكون حجر الزاوية في مشروع إعادة الإعمار متى ما انجلى غبار الأزمة.
و الثقافة الفكريةللشعب اليمني هو البوصلة التي تبرز العامل الأعمق أثراً في معادلة الصمود ،
و في خضم الفوضى تسقط الكماليات و تتجلى كضرورة وجودية وأداة للتغيير الجذري و ذلك لبناء الجيل الواعي المرتبط بالاباء فالاجداد محافظين على الهوية اليمنية الأصيلة
يشهد الشارع اليمني حراكاً فكرياً شبابياً يتنفس عبر أندية القراءة، والمساحات الحوارية، والمنصات الرقمية التي تفكك بشجاعة قضايا الوعي الإنساني، وتبحث في آليات بناء هندسةٍ دقيقة للتوازن الفردي والاجتماعي.
تلعب هذه اليقظة الفكرية دوراً محورياً في إعادة صياغة الوعي الجمعي ، فهي تفكك خطابات التشظي ، وتؤسس لهوية وطنية جامعة ترتكز على المعرفة ، وقبول الآخر، والتفكير النقدي ، وحين يتسلح الشاب بهذا الوعي، يغدو محصناً ضد آفات الاستقطاب ، وقادراً على استيعاب التراكمات التاريخية لتقديم حلول مبتكرة تعالج جذور الأزمات المجتمعية العميقة.
إن اليمن يتجاوز كونه مجرد ساحة للصراعات كما تختزله العناوين الصحفية العابرة إلى إنه مصنعٌ حقيقي للإرادة الإنسانية الخالصة حيث يثبت شباب اليمن للعالم اليوم أن النهضة الحقيقية تُولد من رحم العقل ، وأن الكلمة والفكر هما البذور الأولى لأي تغيير مجتمعي مستدام ، من خلال التجذر في هويتهم الأصيلة وتوسيع آفاقهم الفكرية،
كما و أن الشباب اليمني يواجهون قسوة الحاضر و ينسجون بكل ثقة واقتدار خيوط الفجر القادم ليعيدوا لليمن ابتسامته ، وليكون سعيداً كما سُمّي منذ فجر التاريخ اليمن السعيد