المصالح بين الحقيقة والتزييف... العلاقات الإنسانية حين شوهنا الفطرة التي تبني العالم

المصالح بين الحقيقة والتزييف... العلاقات الإنسانية حين شوهنا الفطرة التي تبني العالم

  • الأربعاء 06 مايو 2026
  • 03:23 PM

 

الملتقى / حسن الطفيلي


​أقف مستندا على حائط قلعة بعلبك (وهي عجيبة من عجائب العالم بنفوذها عبر الآف السنين الى الحاضر) في لبنان مبحرا في بحر من التأملات وأنظر في مخيلتي كيف أن البشرية تمضي في تراكمها  اليومي ، تتقاطع دروبها تتشابك أيديها وتتلاقى عيونها ، ثم تبتعد! أراقب هذه المشاهد وكأنني أقف على شرفة التاريخ أرى كيف بنينا مدناً شاهقة من التواصل و لكننا سكناها بأرواحٍ تتوجس من بعضها البعض  ففي زماننا هذا باتت كلمة (مصلحة) تهمةً نتبرأ منها في العلن، وممارسةً نتقنها في الخفاء حتى بعقلنا اللاواعي ، أصبحنا نخجل من التصريح بها وكأنها مرادفٌ حصري للخداع ومستنقعٌ للأقنعة المزيفة

​لكن ماذا لو أوقفنا ضجيج الأحكام المسبقة للحظة ، وقمنا بتشريح هذه الكلمة لغوياً، نابشين في جيناتها الأولى ، لوجدنا أنها تنحدر من الجذر النقي (صَلَحَ) و(الصلاحُ) يا أحبتي هو نقيضُ الفساد فالمصلحة في أصلها اللغوي والفطري ليست سوى استجلابِ المنفعةِ ودفعِ المضرة هي سعيٌ حثيث نحو الصلاح والتعمير و بها نتكامل و نزهو و فيها الوفاء لاستمرارية الإنسانية في الحفاظ على الفرد و المجتمع .

​فلسفياً ومنطقياً ، نحنُ كائناتٌ مجبولةٌ على النقص لا نكتملُ فرادى ولا نحيا إلا بقانون التبادل  هذه (المصلحة المشتركة) لا يمكن أن تكون  خطيئة بل هي الشريان الخفي الذي يغذي بقاءنا إنها الحقيقة المجردة التي يرفض المكابرون الاعتراف بها  فالمنفعةُ هي محرك الوجود ، والاحتياجُ هو أصلُ الترابط، ولا عيب في أن يحتاج الإنسان لأخيه الإنسان ليرتقي ويعيش كما  إن الغاية السامية من هذا التبادل هي ما أراده الله من الإنسان حين استخلفه في الأرض ليعمرها.

​وحين نرفع أبصارنا نحو السماء متأملين سِفر الوحي العظيم  نكتشف أن السماء لم تصطدم يوماً مع فطرة الإنسان النفعية بل احتضنتها ، هذّبتها ، وارتقت بها من وحلِ الأنانية المفرطة إلى رحابةِ الإنسانية المشتركة  فالخالق عز وجل وضع قانوناً صارماً لخلود الأثر ، ولم يقل إن ما يمكث في الأرض هو الزهد المطلق والانعزال ، بل قال جل جلاله بسم الله الرحمن الرحيم (وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ)صدق الله العظيم فالمعيار الإلهي للبقاء والخلود هو ( المصلحة _ المنفعة) والمصلحة الحقيقية التي تُسدى للمجموع.

​تأملوا في سير الأنبياء أولئك الذين ساروا على الأرض كأيقونات للكمال البشري  حين جلس نبي الله موسى عليه السلام في ظلال مدين غريباً خائفاً  وجائعاً، لم يخجل من إعلان فاقته واحتياجه الشديد بل رفع يديه للسماء منادياً بمصلحة قلبه وجسده (رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ)
​وحين وقف نبي الله يوسف عليه السلام أمام ملك مصر، لم يتوارَ خلف ادعاءات زهدٍ عبثية تضيع معها حقوق العباد، بل طلب السلطة لمصلحةٍ عليا تنقذ أمةً كاملة من الهلاك قائلاً (اجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَائِنِ الْأَرْضِ ۖ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ)
​حتى في تلك الرحلة القرآنية المهيبة بين الخضر وموسى كانت كل الأفعال التي بدت في ظاهرها قاسية وغير مبررة تحمل في باطنها (مصلحةً) خفية بالغة الحكمة فخرقُ السفينة كان لمصلحةِ المساكين كي لا تُغتصب من ملكٍ ظالم وبناءُ الجدار المجاني كان لمصلحةِ اليتيمين حفظاً لكنزهما والسبب ببساطة(وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا)عاد الأمر كله في بدايته ونهايته إلى الصلاح.

​متى إذن تشوهت المصلحة؟ ومتى أصبحت تهمة؟
تشوهت حين جردناها من شطرها الأول (الصلاح) تشوهت حين جعلنا من ذواتنا المنفردة غايةً مقدسة  ومن الناس حولنا مجرد وسائل وجسور ندهسها لنعبر إلى ضفتنا الخاصة ، لقد سقطنا في فخ (التزييف) حين فقدنا الشجاعة للاعتراف بأن تبادل المنافع هو ما يجعل الحياة ممكنة، وحين استبدلنا الوضوح الإنساني بالاستغلال المبطن.

​إن العلاقات الإنسانية اليوم تقف على مفترق طرق. وما لم نُعد الاعتبار لمفهوم (المصلحة الصالحة) وما لم نتصالح مع احتياجنا لبعضنا البعض بشرفٍ وشفافية سنبقى ندور في فلكٍ من النفاق الاجتماعي ليس المطلوب منا أن نكون ملائكة بلا رغبات ، بل المطلوب أن نكون بشراً تحركنا مصالحنا لكن بشرف و أمانة و مسؤولية يحبها الله و ينفع بنا و ننتفع بغيرنا بصلاح و خير ، والى هنا سأنتفض من استنادي على حائط القلعة في هذه النفعية ، واستودعكم الله في تأملات جديدة.

 

 

اشترك الآن في النشرة الإخبارية

نشرة اخبارية ترسل مباشرة لبريدك الإلكتروني يومياً

العوده للأعلي