(( القسوة هي الجدار الذي يحمينا في حياتنا))

(( القسوة هي الجدار الذي يحمينا في حياتنا))

  • الأربعاء 14 أكتوبر 2026
  • 04:46 PM

 

الماتقى / شيخة الدريبي 

السعودية الشرقية
 

أحيانًا لا تكون القسوة طبعًا في الإنسان ولا دليلًا على جفاف قلبه بل قد تكون جدارًا بناه حول نفسه بعد أن تعلّم أن الطيبة وحدها لا تكفي وأن القلب حين يظل مفتوحًا للجميع قد يصبح أكثر عرضة للخذلان والأذى هناك أشخاص لم يولدوا قساة ولكن الحياة علّمتهم كيف يضعون حدودًا وكيف يتوقفون عن تقديم أعذار لا تنتهي وكيف يقولون «لا» دون أن يشعروا بالذنب.

مرّوا بتجارب جعلتهم يدركون أن الإفراط في التسامح قد يجعل الآخرين يتمادون وأن كثرة التنازل قد تُفهم أحيانًا على أنها ضعف وأن من يمنح قلبه بلا حدود قد يجد نفسه في النهاية وحيدًا يبحث عن نفسه بين خيباته القسوةأحيانًا ليست رغبة في إيذاء الآخرين وإنما محاولة لحماية ما تبقى في داخلنا قد نبدو أكثر صمتًا أقل اهتمامًا وأشد حذرًا ليس لأننا فقدنا مشاعرنا بل لأننا أصبحنا أكثر وعيًا بقيمتها فالإنسان الذي ذاق وجع الخذلان لا يعود كما كان ليس لأنه أصبح سيئًا وإنما لأنه تعلّم أن يحمي نفسه قبل أن يُستنزف

لكن هناك فرق كبير بين القسوة التي تحمي الإنسان والقسوة التي تؤذيه وتؤذي من حوله أن تحمي نفسك لا يعني أن تتحول إلى شخص لا يشعر وأن تضع حدودًا لا يعني أن تغلق قلبك وأن تتوقف عن ملاحقة من لا يقدّرك لا يعني أنك أصبحت بلا وفاء النضج الحقيقي أن تعرف متى تكون لينًا ومتى تكون حازمًا ومتى تمنح فرصة ومتى تنسحب بهدوء دون أن تحمل في قلبك كراهية لأحد

أحيانًا نحتاج إلى جدار ولكننا لا نحتاج إلى سجن الجدار يحميك من أن يتجاوز الآخرون حدودك أما السجن فهو أن تحرم نفسك من كل علاقة جميلة خوفًا من تجربة قديمة لا تجعل خيبة شخص واحد تجعلك تشك في الجميع ولا تجعل موقفًا مؤلمًا يقنعك بأن كل القلوب متشابهة فالحياة مليئة بالأشخاص الذين يخذلون لكنها أيضًا مليئة بمن يستحقون الثقة هناك من يقدّر حضورك ويحفظ غيابك ويعرف قيمة ما تقدمه ولا يحتاج إلى أن تخسره حتى يدرك مكانتك.

ومن أجمل ما يمكن أن يتعلمه الإنسان مع مرور السنوات أن الطيبة لا تعني السذاجة وأن التسامح لا يعني السماح بتكرار الأذى وأن الحزم لا يعني القسوة وأن الابتعاد أحيانًا ليس كراهية بل احترام للنفس وراحة للقلب لا تجعل الآخرين يحددون شخصيتك من خلال تجاربهم معك إن كنت طيبًا فكن طيبًا ولكن كن واعيًا وإن كنت كريمًا فكن كريمًا ولكن لا تسمح لأحد باستغلال كرمك وإن كنت محبًا فامنح محبتك لمن يعرف كيف يحافظ عليها.

لقد نكتشف مع الوقت أن أقوى الناس ليسوا أولئك الذين لا يتألمون بل أولئك الذين يتألمون ويستمرون يُخذلون ولا يتحولون إلى أشخاص مؤذين ينكسرون ولا يكسرون غيرهم ويضعون حدودًا دون أن يفقدوا إنسانيتهم فلا بأس أن يكون حول قلبك جدار يحميه بشرط ألا يكون هذاالجدارعاليًا إلى درجة تمنع عنه النور.

احمِ قلبك ولكن لا تطفئه.كن حازمًا ولكن لا تكن مؤذيًا سامح ولكن لا تسمح بتكرار الأذى ابتعد  ولكن لا تحمل معك الحقد وأعطِ كل إنسان قدره ولا تعطِ أحدًا أكثر مما يستحق على حساب راحتك وكرامتك وفي النهاية ربما لا تكون القسوة هي القوة الحقيقية بل القدرة على أن تحمي نفسك دون أن تفقد رحمتك وأن تتعلم من الألم دون أن تصبح نسخة من الذين تسببوا فيه.

فالقلب الجميل لا يحتاج أن يتحول إلى حجر حتى ينجو بل يحتاج فقط إلى وعي يعرف من يستحق أن يدخل ومن يجب أن يبقى خلف الجدار ..

 

اشترك الآن في النشرة الإخبارية

نشرة اخبارية ترسل مباشرة لبريدك الإلكتروني يومياً

العوده للأعلي