صدى الغياب

  صدى الغياب

  • الأربعاء 05 أغسطس 2026
  • 06:01 PM

الملتقى / نورة القحطاني

   

كان “سعيد” رجلًا ناجحًا بكل المقاييس،
يملك شركة كبرى، وسيارات فارهة، وبيتًا كالقصر، لكن أكثر ما كان يملكه هو الوقت المسروق من أبنائه.

كان يؤمن أن المال هو الطريق إلى سعادتهم،
فكلما طلبوا شيئًا، لبّاه فورًا… لكن من بعيد.
كان يظن أن الألعاب والهدايا تعني “حبًّا”،
وأن الحضور المادي يغني عن الحضور الإنساني.

كبر أولاده وهو غائب،
كبروا على صوت هاتفه وهو يعتذر،
وعلى مائدةٍ لا يجلس عليها إلا ظلّه في الصور المؤطّرة.

وحين باغتته الأيام بمرضٍ لم ينفع فيه مال،
جلس أمام سريره في المستشفى يتأمل وجوه أبنائه،
وجوهًا جميلة، لكنها بعيدة كأنها تنتمي لبيوتٍ أخرى.

حاول أن يمد يده ليجبر ما انكسر،
لكن بين يديه فقط صدى الغياب…
لم يجد في عيونهم خوفًا عليه،
بل غربة تشبه تلك التي زرعها بينهم لسنوات.

رحل "سعيد "في صمت،
وترك خلفه ثروةً عظيمة،
لكنها كانت كـ”بيتٍ بلا أصوات” — لا دفء فيه ولا ضحك أطفال.

وبينما كان الأبناء يفرّغون أوراقه،
عثر الابن الأوسط على رسالة كتبها والده بخط يده:

“كنت أظن أن المال سيكفيكم عني،
لكنني لم أتعلم أن الأبوة لا تُورَّث في الحسابات البنكية.
سامحوني إن تركت لكم مالًا بلا ذكريات.”

توقّف الابن طويلًا عند تلك الكلمات،
ثم قرّر أن يُحوّل جزءًا من ميراث والده إلى دارٍ للأطفال اليتامى.
أراد أن يمنحهم أبًا لم يعرفه هو إلا متأخرًا.

ومنذ ذلك اليوم، كان كل ضحك طفلٍ في تلك الدار،
يُعيد صدى الأب الغائب إلى قلب ابنه الحاضر…
صدى الندم الذي تحوّل إلى معنى جديد للحب.

المال يبني البيوت، لكن البنون هم من يمنحونها الحياة.
ومن ضيّع أبناءه في سبيل المال، عاش غنيًّا في الدنيا… وفقيرًا في الذاكرة والذكريات

 

اشترك الآن في النشرة الإخبارية

نشرة اخبارية ترسل مباشرة لبريدك الإلكتروني يومياً

العوده للأعلي