الملتقى / شيخة الدريبي
السعودية الشرقية
تتسارع خطى الأيام وتتلاحق فصول العمر كأنها طيف عابر نركض في دهاليز الحياة تتقاذفنا أمواج العواطف وتدفعنا حماسة الشباب وعنفوان البدايات إلى خوض معارك كثيرة بعضها كان يستحق والأعظم منها لم يكن سوى سراب. وفجأة وسط هذا الصخب المستمر يستيقظ المرء ليجد أنه قد عبر جسوراً كثيرة ونضجت على وجهه ملامح الزمن ليصل إلى قناعة دافئة وعميقة لقد كبرنا وبلغنا من العمر ما يجعلنا نحط الرحال تماماً في منطقة العقل. والهبوط في محطة العقل ليس إعلاناً عن نهاية الشغف ولاهو دعوة للانعزال والزهد الإجباري في مباهج الحياة. بل هو في جوهره إعلان عن مرحلة الاستنارة والحرية الحقيقية.والانتقال من صخب العواطف الهوجاء إلى سكينة الوعي ومن التفاعل اللحظي والانفعالي مع الأحداث إلى الرؤية المتأنية والمشاهدة العميقة من شرفة الحكمة.والنضج العاطفي من ثوران المشاعر إلى سكينةالاتزان
ففي سنوات عمرنا الأولى كانت تحركنا رغبة عارمة في إثبات الذات وكنا نرى العالم من منظور ثنائي حاد إماأبيض أو أسود إما معنا أو ضدناكانت الكلمة العابرة تثير فينا عاصفة والموقف الصغير يقيم قيامتنا النفسية.أما اليوم وفي منطقة العقل يتغير كل شيء ..
لذا تلاشي الرغبة في الجدال لم يعد يهمنا من ينتصر في النقاش بل أصبحنا نشتري راحة بالنا بابتسامة صامتة وتجاوز ذكي.فعليك إدراك قيمة المسافات لتعلمنا فن المسافة الاجتماعيةوعرفنا كيف نضع حدوداً تحمي سلامنا الداخلي دون جفاء وتقربنا من الناس وبدون أذى ونرى أعذار الآخرين قبل عيوبهم وندرك أن لكل إنسان ظروفه التي شكلت وعيه فلا نملك حق محاكمته.وحين نحط الرحال في منطقة العقل نجد أنفسنا نقوم بتصفية وغربلة تلقائية لكل ما يحيط بنا. وعندما تسقط الأقنعة الزائفة التي استنزفت طاقاتنا طويلاً.في هذه المرحلة تصبح الصحة وراحة البال واللقاءات الهادئة مع من نحب هي المكاسب الحقيقية التي تستحق السعي والحفاظ عليها والمصالحة مع الذات والسلام الداخلي بلا شروط وأجمل ما تحمله منطقة العقل هو التصالح التام مع النفس. لم نعد نجلد ذواتنا على أخطاء الماضي بل ننظر إلى عثراتنا القديمة كدروس مدفوعة الثمن ..
فعلينا أن نقبل تجاعيد السنين والشيب الذي خطّ ملامحنا ونرى فيها أوسمة شرف تعبر عن صمودنا وتجاربنا في مدرسة الحياة. كماإن العقل يعلمنا في هذه السن أن الكمال وهم وأن الإنسانية تكمن في قبول النقص البشري والبدء في رحلة تصحيح ذاتي هادئة ومستمرة لا بدافع الخوف من نظرة المجتمع بل بدافع المحبة والتقدير للذات. فعلينا أن نحط الرحال في منطقة العقل بمعنى أننا بدأنا نقرأ الحياة بقلب يبصر وعقل يزن الأمور بميزان الذهب. لقد تخلصنا من الأحمال الزائدة ومن القلق المرضي على المستقبل ومن الندم العقيم على ما فات.نقف اليوم على أرض صلبة من الوعي نتأمل ماضيناً صنعنا مستقبلاً نرجو أن يكون هادئاً وحاضراً نعيش كل دقيقة فيه بامتنان وتقدير.كبرنا نعم ولكننا كبرنا لنكون أكثر جمالاً وأشد عمقاً وأقرب إلى أنفسنا وإلى الحقيقة إنها مرحلة الحصاد الفكري الإنساني الأجمل وحق لنا أن نستمتع بكل لحظة فيها ..