الرأي و الرأي الآخر مطرقة الاتفاق وسندان الاختلاف

الرأي و الرأي الآخر مطرقة الاتفاق وسندان الاختلاف

  • الجمعة 15 مايو 2026
  • 08:59 AM

 

الملتقى / حسن طفيلي
باحث في الشأن الإعلامي و الفكري 

 

أصبح عالمنا يتسمُ بالسيولة الفكرية والتسارع المعرفي يبدو أننا نعيش مفارقة كبرى فبينما تتقارب المسافات الجغرافية تتسعُ الفجوات الفكرية بين العقول إن قضية ( الرأي والرأي الآخر)لم تعد تحصر ديبلوماسيا أو كشعارت ترفع في الندوات بل تعدتها لتصبح ذلك  الميثاق الأخلاقي الذي  يحدد قدرة المجتمعات على البقاء والارتقاء و بناء التواصل و تفهم المختلف عنا 
 إن السؤال الذي يطرح نفسه اليوم بحدة  كيف نستعيد مبدأ التقبل كفعلٍ إرادي واع لا كحالة من الاضطرار أو التهاون ؟
​فالحقيقة بوصفها مرآة متشظية
​من المنظور الفلسفي نرى أن الأمانة العقلية تقتضي  الاعتراف بأن الحقيقة ليست ملكية حصرية لأحد  بل هي كيانٌ كليّ لا ندرك منه إلا زوايا محددة  ف (الآخر) ليس غريباً يهدد قناعاتنا بل هو المتممُ لوعينا فكل رأي يخالفنا هو في جوهره نافذة تفتحُ آفاقاً لم نكن لنبصرها بمفردنا و التقبل هنا يتجاوز معنى التسامح السلبي ليكون اعترافاً كينونيا بأن الاختلاف هو المحرك الأساسي للتطور البشري  وبأن الوحدة الحقيقية تكمن في التناغم لا في التطابق
​ فبناء  الحوار يجب ان يتحول من المواجهة إلى المشاركة.
​  الحوار المعاصر يعاني من معضلة (الاستقطاب الحاد) حيث تتحول الأفكار إلى قلاعٍ حصينة يُدافع عنها بالانفعال لا بالبرهان و الانتقال إلى هذا البناء يتطلب منهجية منطقية تقوم على فصل الذات عن الموضوع فالحوار الناجح هو الذي يهدف إلى فحص الفكرة لا إلى محاكمة قائلها إنها عملية معمارية بامتياز نبحث فيها عن الأرضية الصلبة من المشتركات الإنسانية لنقيم عليها جسور التفاهم محولين التباين من عائقٍ إلى ركيزة إثراء
كما إن ​مبدأ التقبل هو الممر الإلزامي للسلم الحضاري
​فممارسة التقبل تتطلب نضجاً فكرياً يدرك أن (الاختلاف في الرأي) هو علامة صحة فكرية وحيوية مجتمعية وفي ظل التحديات العالمية الراهنة يصبح الحوار الرصين هو الأداة الوحيدة لنزع فتيل الكراهية وتفكيك القوالب النمطية و  التقبل يعني الشجاعة في الإصغاء والقدرة على مراجعة الذات  والإيمان بأن كلمة (نحن) لا تكتمل إلا بوجود ( أنت )في كامل اختلافك وتميزك.
هكذا نسير  نحو أفق إنساني واع متكامل 
​واليوم نحن  أمام مسؤولية تاريخية لاستعادة وقار الكلمة وعمق معناها وعلينا ان ندرك ان  بناء الحوار هو استثمارٌ في المستقبل، واعترافٌ بنبل العقل البشري الذي خُلق ليتعارف، لا ليتصادم. فهل نملك الجرأة الكافية لنخلع أردية اليقين المطلق ، وندخل إلى رحاب الحوار بروح المستكشف الذي يرى في رأي الآخر وطناً جديداً للمعرفة؟
​إن الإجابة عن هذا التساؤل ستحدد ملامح وجهنا الحضاري في القادم من الأيام

 

اشترك الآن في النشرة الإخبارية

نشرة اخبارية ترسل مباشرة لبريدك الإلكتروني يومياً

العوده للأعلي