الملتقى / عائشه الشيخ
في الأزقة القديمة، حيث تختلط رائحة البحر بعبق التاريخ،
تجلس القهوة في تونس لا كمشروب عابر، بل كطقس يومي… كحكاية تُروى على مهل.
لكن هذه الحكاية لم تعد محلية فقط، بل بدأت تفتح أبوابها للعالم،
لتصبح القهوة التونسية جزءًا من حوار دولي غني بالنكهات والتجارب.
من المقهى الشعبي إلى المنصة العالمية
عرفت تونس القهوة منذ قرون، متأثرةً بروح الإمبراطورية العثمانية،
حيث كانت المقاهي فضاءات للنقاش، والشعر، والسياسة، والحياة اليومية.
في تونس، وسوسة، وصفاقس،
لا تزال المقاهي تحافظ على روحها التقليدية،
لكنها في الوقت ذاته تستقبل موجة جديدة من ثقافة القهوة المختصة،
التي أدخلت مفاهيم حديثة مثل تحميص الحبوب، وطرق الاستخلاص الدقيقة، وتجارب التذوق الاحترافية.
المعرض الدولي… حيث تلتقي الثقافات
أصبح المعرض الدولي للقهوة في تونس منصة حقيقية تجمع:
خبراء تحميص من مختلف دول العالم
باريستا محترفين يعرضون مهاراتهم
شركات ومزارعين يستعرضون أجود أنواع البن
هنا، لا تُقدّم القهوة فقط… بل تُشرح، وتُحلّل، وتُتذوّق بوعي.
يتعلم الزائر كيف يميز بين قهوة قادمة من إثيوبيا وأخرى من كولومبيا،
وكيف تؤثر التربة والمناخ على الطعم،
وكيف تتحول الحبة الصغيرة إلى تجربة حسية كاملة.
تلاقي النكهات… حين يصبح الاختلاف ثراءً
في هذا المعرض، تمتزج النكهات كما تمتزج الثقافات:
قهوة عربية تقليدية بنكهة الهيل
إسبريسو إيطالي مركز
قهوة مقطرة بأساليب حديثة مثل V60 وChemex
كل فنجان يحمل قصة بلد،
وكل رشفة تفتح نافذة على ثقافة مختلفة.
هذا التنوع لا يلغي الهوية التونسية،
بل يعيد تعريفها بطريقة أكثر انفتاحًا ومرونة.
جيل جديد يعيد تشكيل المشهد
الشباب التونسي يلعب دورًا كبيرًا في هذا التحول.
فقد ظهرت مقاهٍ حديثة تعتمد على الجودة والتجربة،
وتسعى لتقديم القهوة كفن… لا كعادة فقط.
هذا الجيل لا يكتفي بالتقليد،
بل يبتكر، ويجرب، ويبحث عن بصمته الخاصة في عالم القهوة.
بين الماضي والمستقبل
ما يميز تونس اليوم ليس تخليها عن تقاليدها،
بل قدرتها على الجمع بين الأصالة والتجديد.
فالمقهى الشعبي لا يزال حاضرًا،
لكن بجانبه تقف مساحات جديدة تحتفي بالقهوة كعلم وفن وثقافة عالمية.
في النهاية… القهوة لغة مشتركة
في تونس، لم تعد القهوة مجرد مشروب يُحتسى،
بل أصبحت لغة تجمع الناس رغم اختلافهم،
وجسرًا يربط بين الماضي والحاضر،
وبين المحلي والعالمي.
والمعرض الدولي ليس مجرد حدث…
بل علامة على أن تونس قررت أن تشارك العالم فنجانها…
وتتذوق، في المقابل، فناجين الآخرين.